أحمد مصطفى المراغي
22
تفسير المراغي
الدنيا ، يصلاها : أي يقاسى حرها ، مدحورا : أي مطرودا مبعدا من رحمة اللّه ، محظورا : أي ممنوعا عمن يريده . المعنى الجملي بعد أن بين سبحانه فيما سلف حال كتابه الذي يحوى النافع والضار من الأعمال ، مما يكون به سعادة الإنسان وشقاؤه في دينه ودنياه - قفى على ذلك بذكر حال كتاب المرء وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله إلا أحصاها ، وأن حسنها وقبحها تابع لأخذه بما في الكتاب الأول أو تركه لذلك ، فمن أخذ به اهتدى ومنفعة ذلك عائدة إليه ، ومن أعرض عنه ضل وغوى ، ووبال ذلك راجع عليه ؛ ثم أكد عنايته بعباده ، وأنه لا يعاقب أحدا منهم إلا إذا أرسل الرسل يبلغون رسالات ربهم رحمة بهم ورأفة ، وأعقب ذلك بأن عذابه إنما يكون بكسب المرء واختياره ، وأن هذا واقع بتقدير اللّه وعلمه ، وإذا وقعت المعصية حلت العقوبة بعذاب الاستئصال ، كما فعل بكثير من الأمم التي من بعد نوح كعاد وثمود ، واللّه عليم بأفعالهم وبما يستحقون ، ثم قسم العباد قسمين قسم يحب الحياة الدنيا ويعمل لها ، وعاقبته دار البوار وبئس القرار ، وقسم يعمل للآخرة ويسعى لها سعيها وهو مؤمن ، وأولئك سعيهم مشكور مقبول عند ربهم ، ولهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ، وهؤلاء وهؤلاء يمدهم ربهم بعطائه ، إذ ليس عطاؤه بممنوع عن أحد ، ولكن قد فضّل بعضهم على بعض في أرزاق الدنيا ، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من درجات التفاوت في الدنيا وأبعد مدى . الإيضاح ( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ) أي وألزمنا كل امرئ عمله الذي يصدر منه باختياره بحسب ما قدر له من خير أو شر ،